السيد عباس علي الموسوي
398
شرح نهج البلاغة
الرابع : قوله عليه السلام : والهوى شريك العمى ورب بعيد أقرب من قريب وقريب أبعد من بعيد والغريب من لم يكن له حبيب . من غلبه هواه لم يعد يبصر طريق الحق والرشاد فإذا طغى هوى القرابة والنسب لم يعد للعدل مجال ولا للإنصاف دور ، فإذا اعتدى قريبك بررت اعتداءه وإذا ظلم بررت ظلمه ، وإذا ضرب بررت ضربه ، وهكذا تخلق المبررات والتأويلات من أجل أن توافق هواك في قرابتك . وإذا غلب هوى العشيرة ضربت صفحا عن كل المعاني السامية الرفيعة التي كنت تحلم بها في أيام الود والصفاء . . . وقد عبر اللّه في كتابه عمن يتخذ الهوى دينا له وسيرة عبر عنه بالإله لهذا الشخص قال تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلِههَُ هوَاهُ . . . فإن هذا الهوى يتحول إلى إله يأمر وينهي ويحرك ويجمد المرء عن الحركة . . . وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام : إنما أخاف عليكم اثنين اتباع الهوى وطول الأمل ، أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة . وقال أعرابي : الهوى هو ان ولكن غلط باسمه . وقال الهزلي : أبن لي ما ترى والمرء * تأبى : عزيمته ويغلبه هواه فيعمى ما يرى فيه عليه * ويحسب ما يراه لا يراه وأما قوله رب بعيد أقرب من قريب وقريب أبعد من بعيد فهذا شيء خاضع لموازين الإسلام ومدى ارتباط الفرد بها . . . فرب إنسان بعيد لا تعرفه ولا تعرف بلاده ترتبط معه في أجواء العقيدة وتأنس به وترتاح للقياه ، ورب قريب تعيش معه تحت سقف بيت واحد لا تحب رؤياه ولا تتمنى لقياه فالمسلم الذي يعيش مع أخيه القريب النسبي وهو يعانده في عقيدته ولا يلتقي معه في فكره وسلوكه بل يتخذ اليمين أو اليسار أو الضلال والانحراف مثل هذا الأخ القريب كمثل أبعد الناس ممن لم تجتمع معهم ولم تلتق بهم ، بل هم أخف شرا وأقل ضررا لأنك لم تنكشف إليهم بينما أنت مكشوف له ، وقال الحكيم مصورا حال بعد القريب وقرب البعيد : كانت مودة سلمان لهم رحما * ولم يكن بين نوح وابنه رحم فإن الغريب يلتفت يمنة ويسرة فلا يجد من يحدب عليه ولا من يعينه على مشاكله ومصاعبه ، لا يجد أما تحن عليه ولا أبا يهتم بشئونه ولا أقارب يدفعون عنه ولا أخوة يحفظونه . . . إنه يعيش منفردا إن مات لم يشعر بموته أحد وإن عاش لم يحس بحياته